ابن أبي الحديد

49

شرح نهج البلاغة

كالإنكار لطلوع الشمس ظهورا وانتشارا ، وكل من قرأ الاخبار ، وتصفح السير يعلم من هذا الامر ما لا تثنيه عنه مكابرة ولا مدافعة ، وهذا الفعل - أعني ضرب عمار - لم تختلف الرواة فيه ، وإنما اختلفوا في سببه ، فروى عباس بن هشام الكلبي عن أبي مخنف ، في إسناده أنه كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلى وجوهر ، فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله ، فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك ، وكلموه فيه بكل كلام شديد ، حتى أغضبوه ، فخطب فقال : لنأخذن حاجتنا من هذا الفئ ، وإن رغمت به أنوف أقوام ! فقال له علي عليه السلام : إذن تمنع من ذلك ، ويحال بينك وبينه ، فقال عمار : أشهد الله أن أنفى أول راغم من ذلك ، فقال عثمان : أعلى يا بن ياسر تجترئ ! خذوه ، فأخذ ، ودخل عثمان ، فدعا به فضربه حتى غشى عليه ، ثم أخرج فحمل حتى أتى به منزل أم سلمة رضى الله تعالى عنها ، فلم يصل الظهر والعصر والمغرب ، فلما أفاق توضأ وصلى ، وقال : الحمد لله ، ليس هذا أول يوم أوذينا في الله تعالى ! فقال هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان عمار حليفا لبني مخزوم - : يا عثمان ، أما على فاتقيته ، وأما نحن فاجترأت علينا ، وضربت أخانا حتى أشفيت به ( 1 ) على التلف ، أما والله لئن مات لأقتلن به رجلا من بنى أمية عظيم الشأن ! فقال عثمان : وإنك لها هنا يا بن القسرية ، قال : فإنهما قسريتان - وكانت أم هشام وجدته قسريتين ( 2 ) من بجيلة - فشتمه عثمان ، وأمر به فأخرج ، فأتى به أم سلمة رضى الله تعالى عنها ، فإذا هي قد غضبت لعمار ، وبلغ عائشة رضى الله تعالى عنها ما صنع بعمار ، فغضبت أيضا ، وأخرجت شعرا من شعر رسول الله صلى الله عليه وآله ، ونعلا من نعاله ، وثوبا من ثيابه ، وقالت : ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم ، وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد !

--> ( 1 ) أشفيت به ، أي جعلته مشرفا على الهلاك . ( 2 ) قسر : بطن في بجيلة .